فيما يلي القراءة الأدبية لديواني النثري
*أيقونة الياسمين * التي قدمها الأديب و الناقد المغربي القدير
Si Mokhtar Hamri
مشكورا على ما قدمه من مجهود أدبي رائع
كما لا أنسى لوحة الغلاف للفنان السوري القدير Bahjat Dahoud
تأخرت في نشرها بسبب غياب أديبنا
أتمنى أن يكون بخير و عافية و يطمئننا عليه
يقول ت.س.اليوات :” الشعر الحقيقي يتواصل قبل أن يفهم “
يقول ارنولد : ” في الشعر الفكرة هي كل شيء… تكون العاطفة لاحقة للفكرة “
الشعر كما الحياة يتميز بعدم الخضوع لأي قاعدة لأنه على الدوام ولادة رؤية متجددة من رحم معاناة الإنسان وهو ينزف في هذه الحياة التي لا تعترف إلا بمنطق ماتسفر عنه أحداثها. من هذا المنطلق ستكون نقطة بدايتنا لمقاربة نصوص المجموعة الشعرية للشاعرة ناهدة بدران .يطالعنا بمجرد الإنخراط في القراءة ما تظهره الشاعرة من حسن الإصغاء لمحيطها الإجتماعي و ما تملكه من حس فني مرهف يسعفانها على الإبحار عبر موجات اللغة الشعرية المتعددة المعاجم الدلالية ببراعة وإتقان . تختار بعناية فائة مفرداتها التعبيرية لتولد عبرها معان ودلالات جديدة متشعبة تساعدها على ابتكار أروع الصور الشعرية المشحونة بقوة إيحائية تسبر أغوار الأنفس والمجتمع ، و توظف موهبتها كشاعرة متمكنة من أدواتها التعبيرية ، للتجاوب مع انتظارات المتلقي برؤية شعرية تحمل في طياتها توقعات مستقبلية في طور التشكل والإنبعاث من رماد واقع مرير ، تردفها قدرات ثقافية واسعة نهلت من نبع الأدب حديثه وقديمه حد الإرتواء ، ما أكسبها فكرا يتسم بالجدة والأصالة والقدرة على الإبداع بالمزاوجة بين مختلف التخصصات من فلسفة وعلوم وتاريخ وانتروبولوجيا وميتولوجيا …إبداع يشد ذائقة المتلقي بالتواصل العميق مع مشاعره الإنسانية وتطلعاته ومهما اختلفت أفكار ومشارب القراء فسيجدون دوما ما يوافق ميولاتهم نظرا لطبيعة الصور الشعرية التي تشكل نسيج النصوص وما توحي به من معان ودلالات منفتحة على تأويلات متنوعة المقاصد والأهداف ، قابلة لتعدد القراءات ، لكن بالمقابل فهي تستدعي من المتلقي التحلي بالصبر والأناة للإستئناس بما يكتنفها من غموض لتكشف عما يختبىء وراء ظاهرها من أفكار وحقائق . استطاعت الشاعرة الإمساك بالحالة النفسية المعقدة السائدة في مجتمعها ووظفت بيئتها الطبيعية ومعرفتها لبلورتها إبداعيا ما يجعل ذات القارىء تنعكس في مرآة نصوصها ليكتشف دروبا وأبوابا متعددة تنفتح على تداعيات الوضع المزري الذي يعيشه، وعلى فكر يحمل همّ البحث الحثيث الملح عن أفق ممكن ” فيه مايستحق الحياة على هذه الأرض ” (كما يقول محمود درويش ) بالرغم من وضعية الشتات والضياع والإنكسار المسيطرة على شرائح مجتمعية واسعة …
العتبة الأولى لولوج الديوان هي اللوحة الفنية بالغلاف وهي علامة قابلة للقراءة مباشرة أو بإحالتها على الذاكرة البصرية لمقاربة التيمة والسياق العام للديوان ولعنوانه على الخصوص ،
و يمكن تصنيفها ضمن “الفن التشكيلي الإنطباعي ” . تظهر مشهدا طبيعيا يمثل زقاقا في حارة سكنية ، نظريا تنتمي إلى مدينة قديمة بفن معماري عتيق . استعملت في إنجازها تقنية الرؤية المنظورية ، تعطي انطباعا باللانهائي لعمق المكان ، استعملت فيها عدة ألوان منها اللون الأزرق ، لون الطبيعة ( السماء والبحار .) رمز الحرية والخيال والإلهام والثقة ، و الهدوء والسلام من منظور نفسي . وفي العمق استخدم اللون الأصفر الذي قد يرمز إلى الحزن والذبول أو المرض فدلالته ترتبط بالخريف والصحاري واصفرار وجوه المرضى والخداع (الضحكات الصفراء ) . كما أنه قد يرمز إلى التوهج والإشراقة ، و إلى التفكير العميق والحكمة والذكاء. واللون البني لون التراب والأرض يعبر عن الإستقرار والأمن والثبات والصدق وهو يثير في النفس الحنين إلى الماضي ، اللون الرمادي الفاتح يرمز الى الحيوية والنور وقد يدل على العزلة والانطوائية . المكان في اللحة جامد ممتد الى تخوم المجهول و قابل لكل الإحتمالات في دعوة للتحلي بالحكمة والتفكير العميق والتشبث بالأمل …
شكل المنازل المتراصة والزقاق والنوافد يجعلنا نستحضر الفن المعماري للمدن العربية الإسلامية القديمة التي لا يخلو منها تقريبا أي قطر عربي . بالرجوع إلى الذاكرة البصرية القريبة منا زمنيا ، يخطر على البال مسلسل باب الحارة “دراما “إجتماعية شامية سورية تعد من أبرز المسلسلات العربية , وبالتالي يمكن موقعة اللوحة بالقرية الشامية في ريف دمشق ، حيث صورت جل حلقات المسلسل الذي يسلط الضوء على الحياة الدمشقية والقيم النبيلة والعادات والتقاليد القديمة ،متمثلة في أهالي “حارة الضبع” . تم تزيين دفتي الديوان بأزهار الياسمين البيضاء . نتساءل هل هناك رابط بين المتن الشعري ودلالات اللوحة وعنوان الديوان ؟! .
عنوان الديوان :” أيقونة الياسمين ” وهو العنوان نفسه لإحدى قصائده ب ( ص :20) نقتطف منها :
((لألف مرة بعد غروب البوح
أحمل في وتيني شجرة من نور
نوارها قناديل مضاءة بزيت عروقي
عشعش على أريكتها طائر غائر العينين
لم ينم مذ شد الأفق .. وسادة اللحن ))
وشاءت الصدف يا إكسير نبض معتق
بتراتيل الياسمين
أن أشرب نخب عينيك دمع القصيد ))
((قد أقسم الياسمين أن يطوي شتاءك))
المتعارف عليه أن يكون عنوان الديوان رابطا بين قصائده معبرا عن وحدته الموضوعية وهذه إحدى سمات “الحداثة الشعرية” ، أو أن يكون العنوان مأخوذا من إحدى القصائد المتضمنة فيه ،التي يعتبرها الشاعر/ة في صدارة المشهد لما تحتويه من أفكار ورؤية وجمالية فنية .
بإعتبار العنوان نصا موازيا أساسيا له خصائصه الشكلية ووظائفه الدلالية التي تؤهله لشد انتباه المتلقي واستفزازه لينخرط في السؤال الذي يستدعي وضع افتراضات تتوقع ما سينجلي عن المتن من أفكار مخصبة وأسرار وأمور خفية . نتساءل هل نكتفي فقط بعنوان الديوان واللوحة الفنية ؟ أم نعتبر القصيدة في كثافة معانيها وعمقها الدلالي هي العنوان ؟؟
أي الخيارين سيكون الأكثر شمولية والأعمق دلالة…؟؟!
أيقونة الياسمين : لفظيا تعني علامة وزهرة أو ( نبتة ) جغرافيا تستوطن حوض البحر الأبيض المتوسط ، لها ارتباط وثيق بسوريا فقد تحولت رمزا إلى عاصمتها دمشق وهي منتشرة في بساتين غوطتها ومنازلها وحدائقها ولها صلة بشعراء مشهورين ، نذكر منهم نزار قباني و هو أكثر من تغنى بياسمين دمشق وبياضه ، وحدا حدوه الشاعر الفلسطيني محمود درويش ولم يقتصر الأمر على الإثنين فقط بل هناك الكثير من الشعراء السابقين واللاحقين لهما من سار على دربهما في التغني و الإحتفاء بياسمين دمشق وشاعرتنا ناهدة بدران من هؤلاء وهي تستحق عن جدارة أن نسميها “شاعرة الياسمين ” .
نجد في الإهداء ( ص 2) عبارة “إلى أيقونة الياسمين ” . و ورد لفظ “الياسمين ” في عدة قصائد أخرى أذكر منها :
قصيدة “خذني إليك “ص 53)
((إني قصيد الياسمين
أعطيك من جوارحي ))
وفي قصيدة “ذات غروب ” (ص83)
((يرسم لي ياسمين الشوق
على دفتر السحاب
فيعرش الحب على سارية النبض ))
نستطيع القول أن عنوان الديوان واللوحة الفنية يشيران إلى دمشق العاصمة السورية .
من جهة أخرى إذا إعتمدنا القصيدة المتضمنة في الديوان كعنوان ، نجد أن عمقها الدلالي مرتبط بتاريخ وثقافة وحضارة الشام و بالأحداث التي تعرفها سوريا منذ عقد ونيف من الزمان والتي جعلت المواطنين يعيشون تحت وطأة ظروف كارثية غير مسبوقة أرخت بظلامها الدامس على حياتهم ماديا ونفسيا وإنسانيا …
الشاعرة لا تكتب شعرا سياسيا بالمعنى الإيديولوجي “البراغماتي”بل تكتب عن معاناة مواطنين تعرضوا لكل أنواع الإستبداد يشعرون بالوحدة والخوف والحزن ، توظف أسلوبا فنيا جماليا وفكرا محوره الإنسان والإنسانية ، منخرطا في استنهاض الهمم وتنوير العقول وتهدئة الأنفس في مواجهة ظروف الواقع الصعب ، ما جعل تيمة الوطن بارزة الحضور تفرض نفسها منذ البداية من على دفتي الديوان و عنوانه تلميحا ، وفي الإهداء تصريحا : (ص2)
((إلى أمي إلى الوطن الساكن في عينيها
يفتح شرفات القلب وأحداق القصيد
الى أيقونة الياسمين
الى سوريا الحبيبة مع دعاء القلب ))
يرد في بعض قصائد الشاعرة التعبير عن الغربة و الإغتراب وتتعدد أوجهه لتشمل الوطن ، المجتمع ، الذات وتصل إلى حدود التعبير عن الإغتراب عن الكون ، ويبدو ذلك جليا في الإشارة إلى غربة السفر والهجرة ، وإلى إغتراب الذات الفردية في المجتمع حيث تحول الفرد إلى شبه “قطعة غيارآلية” تنتمي إلى طبقة إجتماعية اغتصبت إنسانيته لينسحق تحت ثقل قوى سياسية واقتصادية وطائفية ، سلبت منه إرادته فأدار ظهره للواقع وانطلق إما إلى عالم الأوهام أو إلى الماورئيات في محاولة للحفاظ على وجوده , و الشاعرة بما تحتضنه من مشاعر رقيقة وإحساس مرهف تحس بألم ووجع أفراد المجتمع ، فجاءالإفصاح عن ذلك جليا في التعبير عن الوحدة والعزلة والفراغ النفسي وعدم الطمأنينة .
جاء في قصيدة “هرمت .. أعيدوا لي دراجة الطفولة ” (ص28)
((أيا وجع قلبي ..ينزف على بلاط وطن
هناك على لهيب الحقد المتنامي
أشعلوا ضحكتي الرطبة
كيف لا تخجل النار من ملامحه))
في “عاتية ” (ص:63)
((ولنلتقي خلف الدجى ..نرثو معا
جرح الهوى .. والذكريات المتعبة))….
((خدني إليك ضاق بي
كون وكان أرحب
أناملي كتاب شوق
والحروف عاتبة ))
وفي “رؤى وأمنيات ” (ص76)
((الروح النائمة على مفازات الصمت
تتثاءب كل هسيس أمل
تترنح على صدى الذكريات البعيدة
لا شيء يشبهنا عندما تأكل أطرافنا
وحوش الشوق ))
في”نشيج الصمت ” (ص51)
((ألملم أمنياتي العقيمة
أعتكف محراب نفسي
كفكفت زواياها بخيط هواجسي))
المجموعة متضمنة 54 نصا شعريا تنتمي كلها إلى أسلوب قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر الحداثية أقصرها الإهداء ب 13 شطرا وأطولها “من نسل عشتار ” ب 46 شطرا . جل النصوص الأخرى تتجاوز 30 شطرا . قصائد صيغت عناوينها بشكل محكم بواسطة جمل شعرية تستفز ذائقة المتلقي وتحفز لديه حب الإستطلاع لينخرط في قراءة المتن
تتنوع وتتعدد المضامين في مجموعة تيمات : وطنية – إنسانية -إجتماعية -رومانسية -سياسية فلسفية وجودية -دينية (أو بنكهة دينية ) …
بعض التيمات التي تناولتها الشاعرة لها بعد فلسفي وجودي يحمل سؤال الفلسة القلق المتمثل في : لماذا ؟ وكيف ؟ و ألف متى ؟ وحدود الأين ؟ ، ملتزمة بقضايا وهموم الإنسان العميقة ، كقمع الحريات ، الحب ، الموت والحياة ، الحزن والفرح … تعبر عن عالم مضطرب يسوده الفساد والظلم والألم وعدم اليقين .
تقول في قصيدة “حلم سالب”( ص 67)
((حلق في وتيني نبض مبهم
لست أدري من أنا
لعلك تعرفني
وتمسك بيد غريبة البصمة
في ليل أدهم ))
وفي ” إن تسأل ” ) ص 78)
خارج حدود الأين
وروح تلملم ضياعك
من متاهة الكيف
فلا توقظ غفلة اللماذا ؟
وألف متى تهش ضياع دربي
وأنا أرتدي ظلك الضيق
وأحشر جوابي اليتيم
بين حرفي سطرك ))
نجد في نصوص أخرى “الأنا ” المرتبطة بالذات الشاعرة مفردة “وحيدة منعزلة” تبحث عن فكرة داخلية ( جوانية ) في تأملاتها العميقة ، تناجي النفس في حوارية داخلية تنشد التبصر والفهم والتفسير لكشف المجهول والمتحجب من الحقيقة . وتارة أخرى تتحول الأنا إلى “ذات جمعية “تتكلم بإسم المجتمع وتشرك الآخر في التفكير و الحوار في محاولة لبث نوع من الفكر والرؤية الشعرية لتحفيز الوعي لدى المتلقي لمساءلة الواقع والبحث عن إمكانية تغييره إلى الأفضل ..
تقول في ” كان حلما ” (ص 70)
((يا أناي الشاردة .. في يباب الفصول
اسكبي من حنين النغم على بحة الفجر
وارتقي جرح قلب نشب الوجع
بين تلافبفه ))
وفي “طوفان الحنين “( ص18)
((مسدت رعشة النسيم بسحر أغنية
افرزها الصمت حين تشرنق))
((غسلت أطباق السطور بعد عشاء
فاخر
من الألف الى الياء ممتد الضوع
وقفت قصيدتي على ضفاف لحن
تغرف ماء الناي وتجفف
أصابعه
قريبا ستحمل فاسا))
((لا حاجة للشمس
فلتذهب إلى حيث تشاء
هكذا همست أفكاري المشرقة))
وتقول في قصيدة ” خدوش الحبر” ص92)
متى نتوب يادرويش
متى ينهرنا السوط المؤدب بلسع شجي
فنزداد شعرا ونزدان عشقا
ونقطف تفاحة ادم .. راغبين بها
لنبلل ريق الهواجس ))
وظفت الشاعرة الرمز الأسطوري و الثقافة العالمية والمحلية في بناء بعض قصائدها ما أضاف إليها مزيدا من الجمالية الفنية وهطول فيض دلالي وزخم معرفي يتوخى الكشف عن الحقائق والأسباب التي تكمن وراء صيرورة الواقع والسبيل للخلاص من ربقته ، بإعمال الفكر المبدع لتجاوز الخيبات والإحباطات والإنكسارات التي عرفها المجتمع ، والحث على التسلح بالأمل الذي لن يخفت ضؤه أبدا كما ترى الشاعرة وتقترح مقاربة الواقع ، بإعتمادا البعد الثقافي ، التاريخي و الحضاري وتوظيف حمولة الرمز الأسطوري . ما يوحي للقارىء بأنه مهما كان الواقع مظلما فلابد لليله أن ينجلي عن إشراقة أنوار فجر المستقبل الواعد بالعطاء .
تقول في قصيدة “زفرة الوجود “(ص 23)
((على مسارح السماء
ظل واحد نمقه ديموزي
من وجع عشتار حين انطفات نجمة الصباح))
((ذاك انين جلجامش))
((بامر اتو حرثت باحة الشمس ))
((هناك زيوس على قباب الغيم
فينوس اي محارة))
في بعض القصائد استخدم الرمز و تم استغلال ما يزخر به التراث العربي ببعديه الثقافي و الديني مايبرز الحرص على التشبت بالأصالة ، الإنتماء والهوية ومد الجسور بين الماضي الحاضر وبين الحداثة والاصالة لمقاومة الهيمنة الفكرية . ما يمنح الرؤية الشعرية عمقا تاريخيا وشمولية زمكانية .
جاء في قصيدة “ثوب الثرى “(ص 49)
((في ربوع مرت بها شهرزاد
تستعير من نبض الأفق سطرا
تعلق على حبله عمرا جديدا
في غفلة من شهريار
تدس نبيذ حرفها في كأسه
لتولد ألف حكاية
لون البحر في سفر السندباد ))
وفي “دقت أجراس القصيد “(ص88)
((دقت أجراس القصيد
ياساجدا بين الخواطر
ارفع آذان الفجر ومرر قوافل
المغفرة على سيقان الذنوب ))
قصيدة ” قدران ” (ص 90)
((شتاء يفاخر بغيم عقيم
ولا صلاة يلف بها حشرجة السحاب ))
تشكل الشاعرة لوحاتها الشعرية بتوظيف مفردات مستقاة من حقول دلالية متعددة ما يؤكد مدى ما تملكه من قدرات وإمكانيات إبداعية . فهي تنهل من معجم لغوي غني تتجلى من خلاله أفكارها ، تجربتها الحياتية ورؤيتها للعالم .
نلحظ تكرار مفردات معينة على طول بساط المتن تنتمي إلى العديد من المعاجم الدلالية منها :
المعجم الدال على ما هو (عاطفي/ وجداني/ ذاتي) : النبض ،الشوق، حلم ،الهوى ، الجوى الوجد الحب الوجع الألم الصبر الشغف الفقد التوق الشغاف الهجر الشرايين الأوردة الوتين الحبيب، خلايا ، رؤوس ، ذعر خوف جينات دمع ….
المعجم الدال على ما هو أسطوري ( ميتولوجي ): زيوس ،تموز ، عشتار فينوس اورفيوس نمسيس جلجامش …
المعجم الدال على ما هو حضاري تاريخي : بابل ، نينوى ، الأندلس ، سامرائي ..
المعجم الدال على ماهو ثقافي وعلمي : نيوتن ،تفاحة نيوتن الجينات شهرزاد ، شهريار السندباد ، زرقاء ، علاء الدين ، اللصوص الاربعين ،المغارة ، درويش…
المعجم الدال على ماهو ديني : الصلاة ، آذان الفجر ، المحراب ، الكنائس ، القداس ، مريمية ، فاطمية ،ركعة ،سجود التهجد الدعاء الخشوع سبع عجاف الملكوت النعيم الكوثر، اقانيم الله ….
المعجم الدال على ماهو فني : أغنية ، لحن ، سيمفونية ، ناي ، عود ، تراتيل أناشيد …
الأعداد : جاء العدد 1000 مرتبطا بعدة مفردات منها : عام / حكاية /قصيدة / متى /استحالة / مرة ، كما جاء منفردا.
المعجم الدال على الطبيعية والمكان : شجر ،غيمة ،ديمة ،سافانا ، بيادر بيارات حمام ،بلابل سنونو غربان سديم مجرة مغارة الدجى الليل الورد الندى الخريف الربيع الشتاء السحاب النرجس الياسمين الجلنار النارنج سوسن نسرين زنابق ضوء ليل قمر شمس شواطىء دحنون قناديل شرنقة لوز سنديان زيزفون حقول سنا ، تنين ، ضيغم ، عين ، سماء ،يباب ، صحاري، بحر …
مفردات ترسم معالم الكارثة وآثارها عبر مستويات متعددة ممثلة في : الموت ، الوحدة ،العزلة الخوف ،المتاهة ،خنجر الأسى ،المدية ، الألم ،الجراح ،الحراب ،المشلوح الرعاف، النيازك ، الإنكسار، المنفى ..
بعض المفردات كان لها تردد مكثف على طول رقعة المتن و كان لها حضور نوعي بعمق دلالي . أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : الحلم -الصمت – الرؤى – الذكريات … ويمكن اعتبارها بمثابة مفاتيح تساعد على ولوج النصوص وفهم ما تزخر به من درر .
—-الحلم :
ذكر لفظ حلم في عدة عتبات نصية داخلية منها : حلم سالب / عقيم حلم / كان حلما / على شفا حلم/ ثلاث أمنيات لحلم مصلوب /حلم على خرير بردى. وذكر في بعض النصوص عدة مرات :
— في قصيدة ”عيناي التي أحببت ” (ص9 )
((خارطة سوداء يرقشها حلم أبيض
وتميمة رتبتها شهقة حقول
على جيد الصباح ))
— في قصيدة “هرمت .. أعيدوا لي دراجة الطفولة ” (ص28)
((من قلب ذاب وحلمي يحترق
في مجمر الطاغوت
أعيدوا دراجتي ..ساقودها في طريقي الى الله))
–قصيدة ” سندريلا ومنتصف الشوق ” ص 33)
(( اخبريني فالنتين ..رؤوسنا كل يوم تفصل
أحلامنا كل عشق تنحر
ولم يصنعوا لنا عيد يليق ))
((على شرفة حمراء
تقاطر ندى الضحى
على ألف حلم يحبو إلى النور))
((أعد نجوم الصمت في منتصف الشوق
فتسقط جنية الأحلام على هواجسي
ارادت أن تلبسني ثوبا يليق بالأمير
لكنها .. لم تزر حلمي منذ سبع عجاف ))
–قصيدة ” ثلاث أمنيات لحلم مصلوب” (ص47)
((كم من شراع اجهضت حلمه
في الإبحار))
((وكم من حلم وشيك الولادة
صار انتحار
خطيئة …. ))
(( ليتركني وذكرياتي الباكية
على صدر حلم مصلوب
تشرب نخب حسرتي
المرايا والوسائد ))
الأحلام تخيلات بشرية يدخل ضمنها “أحلام اليقظة” حالة من حالات الإبداع عند الشعراء والأدباء . وهو تعبير عن بعض الحاجيات النفسية للذات اتجاه الحياة والعالم يهدف إلى التأقلم مع الإكراهات زمانيا ومكانيا بتوظيف الصورة والخيال ، الشعر والحلم يجمعهما التخيل والتصور ( التمثل ) وكلاهما يتوخى احداث تغيير إيجابي من أجل إعادة ترتيب حياة وعالم الفرد أو الجماعة …
في المجموعة الشعرية استعمل لفظ الحلم بعدة معاني ودلالات ، فجاء في بعض المواقع معبرا عن الأمال والأماني القابلة للتحقق ينشد التغيير الفعال لتجاوز عقبات وظلمة الواقع ، وفي حالات أخرى نراه يتعرض للإحتراق ،اوالنحر اويصلب او يجهض او يتحول الى مجرد أوهام . فالذات الشاعرة أمام الواقع الذي يسوده الإغتراب والقلق الوجودي ومعاناة الآخر التي تقض مضجع مشاعرها وتفكيرها وهي تراه يغوص في أوحال الأحلام الوهمية والماورئيات جعلها تجند طاقتها من اجل إيقاظ وعيه واخراجه من الظلام بما تقدمه من ابداعات ليدرك أنه لا يجب الإنسياق وراء سراب الأوهام لأن ذلك يمثل هروبا إلى الإمام فالأمر يقتضي المواجهة الصريحة لسلبيات الواقع المؤلم بكل جرأة . هذا لا يعني أن الشاعرة تدعو الى نبذ الحلم بشكل تام وإخلاء الساحة ليسطر الإحباط واليأس بل على العكس من ذلك نجد أن جل نصوصها تنتهي قفلتها بإشاعة بصيص أمل أو بعجينة ” كسرة أمل ” تسد رمق أرواح جائعة ، و تضفي بعض الدفء على قلوب أصابها جفاف عاطفي .
—-الصمت :
عناوين القصائد التي وردت فيها كلمة ” الصمت ” : نشيج الصمت / ضجيج الصمت /بكاء مكثوم
ووردت الكلمة بتردد كبير في كثير من القصائد :
— طوفان الحنين (ص 18)
((مسدت رعشة بسحر أغنية
أفرزها الصمت حين تشرنق
قابضا على حديث الوتر ))
–ثوب الثرى (ص 49)
((صرخة صهيلها شق
أروقة الصمت
بكبرياء ))
–نشيج الصمت ((ص 51))
((يعزف الصمت لنشيد المدى المرهق
على يباب الحدود ))
— صفرة الهشيم ((ص 74))
((صمت في قوافي الريح
يقض مواسم الغناء المبحوح ))
— صفعات في وجه الذاكرة ((ص 13))
((كف الصمت آثم ..كمم ثغر الودق))
–قدران ((ص 90))
((واثنا عشر صمتا مدقوق القوافي ))
— خدوش الحبر (ص 92)
((أراه الصمت لا يشلح الإجوبة الملحة
عن كتفه
لايبصر فحوى الأناشيد
المبتورة ))
الصمت في معناه البسيط هو السكوت ، خلاف النطق .
والإنسان لا يمكن إختزاله في “ظاهرة صوتية” أو في “حيوان ناطق” فهو أرقى وأعقد بكثيرمن ذلك حتى وهو يلوذ بالصمت : فقد يكون الصمت أبلغ من متاهة الكلام/أبلغ من الكلام أحيانا / وكما يقول المثل “الصمت حكمة ” / ويقال أيضا : “الصمت في حرم الجمال جمال” .
الديوان الشعري حافل بلفظ ” الصمت ” الذي استعمل في دلالات متعدة فهو ليس صمت القبور أو الجمود ، بل هو الصمت الشبيه بالإيحاء أو الصراخ من الداخل ،هو التأمل الجواني عبر السفر في عالم الذاكرة ، حركة باطنية تعبر عن الشوق و لوعة الحنين ، هو غضب أو تنديد وإستنكارللقمع وخنق الحريات وتكميم الأفواه ، هو تعبير عن موقف أوعن الملل من الروتين اليومي والثرثرة , هو أعمق وأبلغ من تفاهات الكلام المضلل الذي تغشاه الريبة وعدم اليقين …
المكان والزمان :
المكان في المجموعة الشعرية غير خاضع لحدود معينة جغرافية كانت أو اصطناعية كجدران أو أسوار أو غيرها بل هو حر طليق من كل القيود ممتد وشاسع ، عبارة عن أمكنة طبيعية : البحر ، السماء ، الأرض المجرة الكون القمر الشمس النعيم الكوثر الملكوت …
الزمان في غالبية النصوص زمن طبيعي فلا ساعات ولا عدادات ولا (كرونومترات ) فهو يتمثل في : الليل ،النهار ،الصباح الشروق الغروب الفجر الشتاء الربيع الخريف الصيف…
كلها أزمنة مرتبطة على العموم بدوران الأرض حول نفسها أوحول الشمس
وبالتالي فالزمن والمكان متضمن فيما هو طبيعي سرمدي
الؤية الشعرية :
عملت الشاعرة من خلال نصوصها على تجسيد الواقع المعاش بجمالية وفنية راقية , يشغل فيها الإنسان صلب ومحور التفكير فيما يتعرض له من ظلم ومعاناة واغتراب وأزمات مرتبطة بالإستبداد والحروب والقلق و عملت الشاعرة على بلورة رؤيتها من خلال نصوصها الابداعية بإعتماد ما هو حدسي ، وجداني / عاطفي وماهو عقلي/فكري ببعد فلسفي . “فاذا كان الفيلسوف يبحث عن انكشاف الحقيقة المتوارية وراء الظلام باستخدام الفكر والمنطق ” فإن الشاعرة هنا تحاول من خلال ابداعاتها واجتهاداتها أن تغوص عميقا في متاهات الفكر في محاولة لتجاوز كل موانع وعقبات الواقع لتصل الى نبع الحقيقة . فجاءت نصوصها الشعرية تحمل تصورات ومواقف إنسانية وفكر فلسفي ينطلق من الوااقع المعاش ومن معاناة الفرد في المجتمع المحلي لترقى الى بعد كوني يلامس كل الأبعاد الإنسانية…
اللغة والأسلوب :
الشاعرة تتخذ من اللغة بساطا تحلق به عاليا ، بصورها المدهشة المتميزة بعمقها الدلالي وجماليتها الفنية العالية التي تملأ كينونة القارىء بالجمال والإحساس بالمتعة وسعة فضاء التأويل . لغة شعرية حداثية غنية بالمجاز والرمز وتكثيف المعاني والدلالات متناسقة مترابطة تعبر عن خيال واسع ومقدرة على استعمال ألفاظ لها شحنات طاقية عالية تتميز بالحركة والجمالية يتولد عنها أسلوب شعري فريد من نوعه يمزج بين أساليب متعددة ما أعطى النصوص الشعرية بعدا سحريا يشد المتلقي بخصوبة الخيال واستخدام الانواع البلاغية وحسن التعبير وعمق التفكير…
الشاعرة ناهدة بدران وضعت نصب عينيها و في مقدمة اهدافها الدعوة الى السلام ونشر قيم المحبة الإنسانية والحرية ونبذ كل ما من شأنه ان يؤدي الى العنف والإستبداد والظلم والحقد والحروب جادة في ابداعاتها تنشد التميز والرقي ، تعبرعن هموم الإنسان وعن لوعة حنين لوطن وشعب يعيش ظروفا صعبة ما أنزل الله بها من سلطان ، تشارك الآخرين همومهم وألامهم في صدق ونكران للذات ، وكما يقول “اميل سيوران ” :”أن تتالم يعني أن تكون أنت ذاتك ” ويمكن أن نضيف عطفا على ما قال أن تتالم لحال الآخرين يعني أنك إنسان حقيقي ..
ذات شاعرة مرهفة الإحساس ، صادقة تعيش قلقا وجوديا جعلها في بحث دائم عن حقيقة يقينية من خلال انخراطها في مجهود إبداعي يروم إنتاج نصوص شعرية قوية وراقية ستقودها لا محالة إلى مكانة رفيعة
يقول الفيلسوف “هيدغر” : ” وما القلق إلا حالة الخوف من المطلق أمام العراء المطلق ” ويقول أيضا : ” الحقيقة هي انكشاف ولا تحجب وحرية أي ترك الموجود يكون مايكونه ، تركه يكشف عن نفسه دون إكراه أو إلزام …”
لنترك المجموعة الشعرية تكشف عن حقيقتها بالقراءة المتأنية ونفسح بذلك المجال للشاعرة للتواصل بالتعبير عن رؤيتها الشعرية من خلال ما تعرضه من نصوص إبداعية .
سي مختار حمري أديب من المغرب
لمن سألني عن ديوان أيقونة الياسمين
و ديوان لك ما أعطى الشّعر و ما أخذ
متوفران في مكتبة الأنوار //الحلبوني // دمشق