تحت ظلك

تحت ظلك.

ستأخذ حصتك من قلائل الأنفاس
لأنّك الوارث الوحيد لظلال البنفسج
تحت أيكات البوح ….

هناك ما يغمس الرّوح بعطر أصيل
يتناسم من شرفات البال لتستفيق الذاكرة
في حجره..
وتر يشد اللّحن من مطلع القصيد
إلى خاتمة الفرح المشتهى
فلسفة تزرّر قمصان اللّيل
حتّى لا تسقط نجماته
عارية من الضّوء في انطفاء الأمداء ..!

تحت ظلّك قاء الطّريق كلّ الملامح العابرة
لم يعرّفها بنبضة
و لم تغره خشخشة البيان في
معصم الأحاديث
تحت ظلّك أنّاي المرهقة
و أنت التائه بلا وجهة…!

بين الحياة و العدم خطّ متى ينقطع
سنسبح في ملكوت أبيض نبيح فيه
ما حرمته النّواميس في عالم سفلي
لاهٍ بحسرته
لو أنه سمع حديث السّماء
لاختصر سنين العذاب
و لكان نقع الظّلام في شراب النّور
و احتساه حتى يدرك الشّروق الأبدي …


ناهد بدران

صرخة حلم

“صرخة حلم”

كاد أن يسقط من أخر آماله
لولا بقية من أنفاس معدودات
كانت في حصالة الشهيق والزفير
أخرجها ؛ وضعها في صوت مهزوز
وببطء معلوم أطبق عليها قبضة قلبه
هنا ؛ في الخفاء الرحيب الساكن
دفعها للحياة “رشوة” ؟
كي تمنحه يوماً آخر !
أخذ من اليوم قلائل اللحظات
فاستقام على صبره
مضى … إلى حيث لا يعلم
تاركاً بقية اليوم للمجهول القارس !
يبدو لي أن هذا المنتفخ بالعتمات
لم يكن في حاجة للمزيد من السراب
إني أراه ؛ ينكش في أكوام اللحظة
ولست أعلم عن أية شيء يبحث
هو ذا يخرج من بين فرث ودم
ناصعاً ؛ متسربلاً بأوراقه وأقلامه
محملاً بأطنان المد والجزر
يجول الشوارع والأزقة والمتاهات العتيقة
حط رحاله في مئذنة قصيدة
إني أراه بالسمع لا بالعين
إنه يصرخ في الزحام الفارغ
أيامكم سجينة الأمس
مازالت على ذمة الأوهام
لا أحد في هذا الضوء المخنوق
يملك ندماً واحداً ليدفع لها الكفالة
إنها تحتاج صرخة كبيرة
لابد أن يكون مصدرها دمعة حلال
دمعة ؛ حللها الصوت الحر
لكل عازف يبحث في أوتاره
عن قوت شمسه ……….

القدير محمد أبوعيد

مقطع

سكبتُ بأصغرينِ هتونَ حرفٍ
يداوي السّقمَ بالبوحِ المجيدِ

و إنّيَ خلفَ ظلّ الموجِ أحبو
تقاسمني الموانئُ لا وجودي

كمجلودٍ بكى من عينِ قلبٍ
و هيّأ للشّجونِ أرقّ عودِ

ناهد بدران

“أنا و ظلي وجهان لعلة واحدة”

“أنا وظلي وجهان لعلة واحدة”

ظلي ؛ ساكن لا يتحرك
أحياناً يتحرك ولا يثبت
لماذا أتخذ صديقاً من ساكن لا يتحرك
أو من متحرك غير ثابت على حلم
كيف لي أن أتحرر من ظلي !؟
ظلي الواقف على هامش الجدار
دائماً مع طلعة كل وهم يرشقني بالأسئلة
لماذا تتنتعل ناراً جديدة وتركض خلفها !!؟
أليست هي المرصعة بالصمت والأشواك والنايات
وهي التي تسير دائماً على سطرين متناقضين ؟
يبدو أنك وجهان لعلة واحدة !!
هو يعلم أنني لا أملك من حصاد الطرقات
غير وجه واحد مكسور النوافذ
وأن ليس في حقيبة قصائدي غير التلويح
إنما من المؤكد هي كما يقول وأكثر
هي دائماً تخرج علينا من الأضواء الآسنة
في رداء من الرماد الطازج
لذلك أحلم بأنه ذات صوت
سأدخر الكثير من القصائد المكتومة
وأنني سأصبح غنياً سخياً ناصعا
في أرصدة رئاتي ملايين النيران
سأدخل أسواق الظلام مشعا
أشتري حلماً فتياً قوياً أجعله عبداً لي
تحت أمر تطلعاتي ومعزوفاتي
يعمل بالسخرة في حقل الواقع
حينها ؛ ستنبت الشمس أزهاراً وأنهارا
ستخرج النار من صدر الانطفاءات
تصطاد لنا يوماً رائعا
فلا ترشقني بالأسئلة مجددا
لا ذنب لي في هذا الركض
أنا فقط مع كل سراب جديد
أتوهم حلماً قديماً وأشتعل
فطالما ناري مستيقظة
حتماً سترحل الذئاب ……….

القدير محمد أبوعيد

“الكان”

“الكان”

الموت ؛ كتاب المباغتات
إننا جميعاً سنسكن صفحاته
الظلام الصامت الناطق
برماد مرقوم سيرفع حجر الفقد
ويبني لنا السطور دمعة دمعة 

الحياة ؛ أنثى البحر
تلك المفخخة بالأسرار
وحدها عند شاطىء الذكريات تقرأ الكتاب
وحدها تتلو علينا أحزانه صفعة صفعة

علاقة الموت بالحياة
أشبه بعلاقة قشة مع غريقين
أو إبرام عهد مع مركب بلا مجذاف
ولست أعلم من منهما يركض خلف الآخر
إنما من المؤكد عند مفترق الضوء
سيلتقيان في ارتطام غامق
الموت ؛ الحياة ؛ ظلان خضروان
رويداً رويداً سيغرقان في بحر النسيان 

النار تمتحن الذهب
الفقد يمتحن الصبر
إننا جميعاً متصلون بهذا الإختبار
غريق يبحث في أحشاء قشة عن غريق آخر
هكذا ؛ عندما نصاب بالفقد يتشكل الغرق طبيبا
بمسكنات النسيان يداوي الفاقد والمفقود
أين يسكن هذا البحر ؟

ببطء ملتمع الارتدادات
ألقى معاذيره في بحر الريح
ساطع الهذيان دخل قبو الأحداق
بصمت ؛ أغلق على “الكان” أشواك الجفنين
وغط في حزن عميق ……..

داخل محاريق الكان
زهرة دموع نضيرة
أشرقت من شظايا القلب
ملآنة بعطر الحنين
فلتسمحوا بجلوس الصمت ؟
الشعر والفقد الأعظم في ضيافة القصيد

هو ؟ الذي هو أنا
في محيط الكان
إنه يسير ؛ وأنا الأسير
فوق هذا الهذيان الشاهق
أراه يعتصر الصمت
ويسقي شقوق ملامحي
نسمة الماضي منعشة للغاية
عين حنين تتفجر أطيافا
تعيد للأرض بدايات الشجرة

مشكاة المسالك
ذات الدفء والحكايات المنيرة
رحل عنها المصباح الأخضر
الشروق الأخير كان مرسوماً بالغروب
صوت القلب كان نائماً على دمعة خشنة بلا مرآة
هب الشرود عنيفا
سقطت أوراق الشمس
انطفأ الكلام  !

هي أول النور
هي أخر أسراب الظل ؟
زهرة بيضاء تحت أغصانها جنة
بينما كانت تجلس في النعاس المجنح
تمثل لها الكوثر مزهواً بالفضة الجارية
كان معلقاً بين ذراعيه غلمان من نور
كانوا يتبادلون حلوى الابتسامات
ثمة عصف رقيق فاجىء عينيها
وأغلق أبواب المشهد

هناك ؟ كان طفلاً كبيرا
يجلس وحيداً فوق أشواك وريدي
دون أجنحة ؛ يصرخ في ليل طويل الرماد
كل حلم في سنبلته حمل عصافيره ورحل
لا قمح في حقل الدموع
وذاكرة الأرض لا تسع كل هذا الأفول
البكاء باع الضوء للانطفاءات

من هناك ؛ انظري ها هنا
إنه يثور في العتمات الصلبة
مفخخاً بشهوة الأرق
يبحث عن وجه الضوء في أسراب الصور
لاشيء في الماء والتراب والهواء
لاشيء غير أزهار الموت

مالي لا أرى هذا البحر
أين ضوء القشة
لا أستطيع استعادة مراكبي
كيف لي أن أرفو آثار الشاطىء
لاشيء سواها يهندم أفكار الطريق
غابت الشمس عن المائدة وقضي الوقت
الظلال المغسولة بالرياحين لن تشرق مجددا
لا شيء هنا سواك ومذبحة الكان …..

القدير محمد أبوعيد

هبني السّماء

هبني السّماء

شراعٌ طواهُ حديثَ الرّياحْ
و موجٌ شقيٌّ عصيُّ الجناحْ

و ظلٌّ قريبٌ بعيدُ الخطى
على روضِ قلبي غفا و استراحْ

أراهُ لجيناً بتولَ الغوى
إذا ما أطلَّ يطلُّ الصّباحْ

رسمتُ العيونَ بدمعِ الجوى
و صبرٍ يرمّمُ جسرَ الفلاحْ

أترجمُ صمتاً ثقيلَ الوغى
و أعبرُ جيشاً فتيّ السّلاحْ

تمادى بهجرٍ فصارَ النّدى
يعوفُ روابٍ و يهجو بطاحْ

و نوّارُ فجرٍ عصيدِ اللّمى
تشقّقَ جوراً و جارتْ رماحْ

تضنُّ بهمسٍ و أنتَ الرِّوى
و في شرعنا كلُّ نهيٍ مباحْ

وهبتُكَ شِعراً فهبني السّماء
و من خيطِ نبضٍ أحكْ لي وشاحْ

و سرّحْ غيوماً غشتْ مدمعي
تصارعُ توقاً و ترثو جراحْ

و خذني بعيداً إلى المنتهى
نخيط الأماني لنكسو البراح

ناهد بدران

سريان نبض

لم نقصد أن نكون على درب السّطور
لحظة اصطدام المجاز بالأزقّة المكتظّة
بالصّمت …

تشظّى الوتين إلى ألف جرم
يسبح في بحور لا تزنرها القوافي
و تسلّل نبض خفي
يرثي ما تبعثر من كفّ طفل بالكاد
تهجأ ضاد ضلع يلوذ بصدره
أي نحو يقصد ..؟؟
المضموم كليم و المكسور مهشّم
و القاع امتلأ بالتفل
و أيّ الجهات تستطيع قراءة بوصلتك
و قد ترمّد مؤشر السّريان
رعشة طفيفة على سطح الوجع
و امتداد لا يسبَرُ غوره غلّ عميقاً
في حدقات قصيدة
حلم لا وسادة تحتويه
تحت فكّ الواقع فكّك تكّات اللّيل
و لم يعثر على فجر يشرق معه ….

ناهد بدران

رماد أزلي .

رماد أزلي .

عثرت على منجل مبتور اللّسان
صمته يثير حفيظة الطّواحين
و ضعفه يصعق المواقد المكتحلة
برمادٍ أزلي ….

في المدن المكتظّة بالصّراخ
يفقد الرّغيف نكهة الصّبر
أمام الأفواه الفاغرة
و في الرّيف انتقاما للمنجل
صار الحقل أصم …!!

في مقتبل النّهضة اشرأبت أعناق البشر
قصر قامة الفكر ملفتٌ للنّظر
تشوّهٌ جيني أنجبه رحم افتراضي
كل شيء يحلّق بلا أجنحة
فقاعاتٌ واهية تقلع عينها الحقيقة
ترتفع بزيفٍ مدروس … ممنهج ..
منفلت بلا حدود و لا انبهار
منصهر من شدّة الضّوء
إلا كبداية سريعة الذّوبان
لا تشبع حتى رضيع السّطور ….

في بيوت القصيدة نوافذ مفتوحة
على الفيروز
و شراعٍ مبطّن بالحلم
يعانق سارية الوله في اصطفاء الوجهة
يجدلُ الجهات في خامسة تشير إليها
بوصلة قلبي بغنج
سلْ أسراب السنونو كم قبلة تركت
في قوافيها
أو خمّن أي ناي ذاب على شفاه الصّمت
أنت أيها الفارس .. ابق معتلياً صهوة أفكاري
لقّنْ سطري ما شئتَ ليكتب …
لنحترق و نولد من الرّماد

ناهد بدران

شغفُ قصيدة.

شغفُ قصيدة .

هنا .. رمحٌ من رمش الرّيح
يكتب للضّحى آيةً من رأفة الرّحمن
و هناك همهمات سنونو
جرحت جناحه قصيدة مكسورة الوزن
فحطّ على راح الهوى
يلتقط قافية ممشوقة البيان ..
و ينثرها فقاعات في أثير قصيدة ..

قصيدةٌ .. تتسربلُ في قيعان الذّاكرة
ترفع صوت الغاب المخضوضر
في قلب الكاف تشعلُ النّون
بحرائق البحر
قلبي كشّاف النّدى يلتقطُ الفراشاتِ
من غمدِ شرانقها
يخيّمُ تحت رفيفها الرّحيم
يسلّها في وجهِ النّوار رشقاتِ رحيق …

رحيقٌ بطعمِ الصّنوبر
لا يخزُ خاصرة البالِ الشّاردِ بين
خطوطِ يدي
تلك الإنحناءات الكهلة
حملتها عرّافة النّجوم إلى مهد الشّهب
فأشرقتْ في ظلّها آلاء عرجون …

عرجون خجول الملامح
لا يتذمرُ من شخير الشّحارير
يسدل على اغانيها ألحان السّلام …
يحضنها بين نغمتين من وتر عازف
على شغف قصيدة.

Nahed A Badran

ناهد بدران

و ارتقوا فأزهرتِ السّماء.

و ارتقوا ..فأزهرتِ السّماء.

لم أجد للكلام حبلاً يتحمّل أن أنشر
عليه ثقل الوجع .. الحسرة .. الآهات
داريته ليالٍ بالدّمعة .. و بعض
قصاصات ممزّقة مبلّلة بالدمّ
بعد أن سلختُها عن روحي …

الحرف شفاءٌ يا رب السّماء
اغفر لنا دموعَ القصائد فنحن نغسل بها
الأرواح كلّما تعفّرت
ها نحن نموت كلّ يوم آلاف المرات
محظوظ من يموت مرة ..!

جفّ قميص الغيم و تفلّعت
أزرار الرّياح
هذه آخر الأحوال الإنسانيّة
منذ الأزل و السّماء تسقط نجمة نجمة
متى تبلغُ سنّ الفجر الحقيقي …
لنحصد ضوء الشّمس بجرّة منجل
أيّ نبض ذاك الذي بات يختلج الخوافق
يا ابتسامة الزّعفران على غضّ الغصون
كيف تجرؤ الريح أن تهز جذوعك
يا نور اللّجين المتفتّح في ظلّ الكون المسوّد
لم يبق منّا إلّا جنازات مؤجّلة
و أدعية تتمتم بها الشّفاه الزّرقاء
اسبحوا في الملكوت الأبيض
شكّلوا الغيم بأيديكم …
مرّة لعبة تنام في الحجر الصّغير
و مرة قلائد تزيّن عنقاً نحيل
و اتركوا قمصان اللّيل مفتوحة الأزرار
فنحن نتنفّس حلمنا من رئة الوسائد
فراشاتنا لا تطير في حقول محترقة
في شرانقها ربيع خرافي الملامح
ترسمه من ذاكرة اللّحاء و هرمونات النّسغ …

يا أبناء الغيم
تلك ملامحكم .. ضحكة وجوهكم
غمّازاتكم الشّقية
لفّوها في صرّة الرحيل
أشرقوا من الغرب
و اقرأوا على تعاستنا آيات الخلاص
لندرك أن الجحيم حاشى أن يكون في السّماء
السّماء للّه .. للطيبين ..
و لامتداد الجنان.

ناهد بدران