نغمات من لازورد

نغمات .. من لازورد .

منتصفُ العقد ..! يتكوّرُ جاحظاً
عيونَهُ الإثني عشر
لاهثاً يبحثُ عن استطالةِ ضوء ..
يشقّ صدرَ اللّيلِ بفأسِ أفكارٍ حادّة
ثمّ يبحثُ مجدّداً عن نور
أين أضعتهُ ..؟ سأفتّشُ معكَ في مغارة
علي بابا ..!
البارحة .. سمعتُ وقعَ سنابكِ خيلهِم
تخرجُ من سطورِ الحكاية ..
و تفرِشُ دربَ الغابةِ بالسّمسم و اللّازورد ..!
و عندما عزفَ الصّباحُ من حنجرةٍ فيروزيّة
كان الأربعونَ حلماً في خوابي النّفي
فاقرأ على فواتحِ الفرجِ سورةَ النّسيان …

ما زالَ الصيفُ ماطراً في أحداقِ الغابات
و الشّوقُ يتمشّى على أوراقهِ الصّفراء
حين عزفتْ ريحُ العتابِ و نكثتْ هدنةَ الرّبيع
كنتُ أحبو على نتواءاتِ قافية
لم أكملْ بترَ الرّاءِ حتّى اندلقَ الحبّ لاذعاً كفّي
و الحربُ تحصي كم رصاصةً
لم تصنعْ نافورةَ دمٍ في شرايينِ مرآتي ..
تضعُ أوزارَها في قلبي الطّفل
و هو لا يعرفُ من قوانينِ العالمِ غيرَ ثديّ الحرف
فكيفَ أكملُ هذا العراك ..

في ذمّةِ اللّيلِ قصيدةٌ تعقدُ قرانَ الوجع
على وردٍ نابتٍ من ثغرِ الغيم
لم يكنْ سهلاً أن أتبنّى ذريّتكَ أيّها العقيم
و كانَ صعباً أن أفرشَ مخاملَ الزّهرِ الأبيض
لخطاياك المتكرّرة
و أن أوثقَ قلبي بعقدةِ ذنبٍ لا ذنبَ لي فيها
أيّها الشِّعرُ المنضودُ من نغمةٍ
ذابتْ في دهاليزِ صمتي
لتنجبَ كلّ هذا الضّجيج
أنا من أنفاسكَ أحيا و أحيا
تنفطرُ حواسي إن لم تعانقني ببأس ..
صرّةُ قوتي من تفاحِ تائك
و عينٍ تدلّتْ عناقيد
و فطائرَ دسّها الفجرُ الخجولُ في
بطنِ الشّمس
لا تنزلقْ على طينِ الايحاءات
و علّقْ مساميرَ الفرحِ على إطارِ قصيدة
وحدها تستحقُ قبلةً لازورديّة …
و الكثيرَ الكثير .. من العناق .

ناهد بدران

26/يونيو / في ليلة من ألفين و أنفاسك اللازورديّة

حلم منقوص

حلم منقوص

شهقةٌ لحلمٍ مبتورِ المنابع
فوقَ بحرٍ هائجِ الزرقة
منتحبٍ على كتفِ الأحزان
يخرّ من جلجلةِ السّفنِ و خريرِ الأشرعة …
أنا من ضلعكِ يا أيقونةَ الوجع
زبدُ شراييني يملأُ ساحلك
و نسغُ محبرتي يجري في وهادك
كصلواتِ سحابٍ تقي
أنا من وتينكِ أخطتُ محفظتي
في حضنكِ حفظتُ آياتِ الشّمس
و أخذتُ درجةَ الضّوءِ كاملة ..
أصابعي تعشقُ العزفَ على ثمانيةٍ
و عشرينَ وتراً ..
كنتُ أجرّ الصّمتَ بحبالِ بوح
مجدولةِ الشّغف
أرفعُ منتصبَ القامةِ حتّى يضمّ العلم
أنصبُ فخاخاً لمعتلّ ضريرٍ يفلت
من خاصرتكِ النّازفة ..!
حلمي منقوصٌ لم يتعدَّ حقيقةً
واحدةً مجزومةً بلا في وجهِ القهر ….

أيها السّكير على ضفافِ المتّقين
كم يلزمكَ من وجعنا
لتُشبعَ حيتانك …
في بطنكَ نمرودٌ لا يفقهُ الفيروز
و نحن نولدُ من العدم
يكحّلونَ عيوننا بالرّمدِ لنبصرَ
ما رسموه
يسلخونَ جلدَنا و يصنعونَ منه
ما يحفظُ أوراقهم النّقديّة …
و أحذيةً يتخطّون بها دروباً مشبوهة …!
و لا وجهَ شبهٍ بين نبضنا المتهالك
و موسيقا الرّاب في مقهى ساخر ..!

كنتُ من الذّكرِ الكريمِ املأُ خزائنَ البال
أطوي عطرهُ على رفوفُ سطري
حقيبتي .. حديقةُ نجوم
تشدُّ ظهري إلى سنديانةٍ تجاورُ منزلي
أنا و الحراج ربينا معاً
هي تكبرني بغصّةِ منجل
و أنا أسبقُها بخطوةِ فأسٍ يحتطبُ قلبها
كم عمركَ يا وطني بعدَ عجافٍ مريرة
أظنّكَ تصغرني بغربةٍ و ألفِ ميلٍ
من هواجس اللّقاء .

ناهد بدران

همهمات سنونو

همهمات سنونو .

هنا رمحٌ من رمشِ الرّيح
يكتبُ للضّحى آية من رأفةِ الرّحمن
و هناكَ همهمات سنونو
جرحَ جناحَهُ بقصيدةٍ مكسورةِ الوزن
حطّ على راحِ الهوى
يلتقطُ قافيةً ممشوقةَ البيان ..
و ينثرها فقاعاتٍ .. في أثيرِ قصيدة

قصيدةٌ .. تتسربلُ في قيعان الذّاكرة
ترفعُ صوتَ الغابِ المخضوضر
في قلبِ الكافِ يشتعلُ النّون
بحرائقِ البحر ..!
قلبي كشّافُ النّدى يلتقطُ الفراشات
من غمدِ شرانقها
يخيّمُ تحتَ رفيفها الرّحيم
يسلّها في وجهِ النّوار رشقاتِ رحيق …

رحيقٌ بطعمِ الصّنوبر
لا يخزُ خاصرةَ البال الشّارد بين
خطوطِ يدي
تلك الإنحناءاتِ الكهلة
حملتْها عرّافةُ النّجوم إلى مهدِ الشّهب
فأشرقتْ في ظلّها آلاءُ عرجون …

عرجونٌ خجولُ الملامح
لا يتذمّرُ من شخيرِ الشّحارير
يسدلُ على أغانيها ألحانَ السّلام
هنا أصمتُ و أنا على قيدِ
شرنقةٍ واهية ..
تقطفها الرّيحُ لتبقى أجنتها
بلا أجنحة
ترتق أسئلةَ النّحلِ الفضوليّة
بأزيزِ الثّقة ..

ناهد بدران

مذابح الشّموع

مذابح الشّموع .

منصّاتُ الضّوءِ .. خافتة
اللّازوردُ مختنقٌ في حلقِ الذّاكرة
النّمشُ يكسو وجهَ الورق
و البوحُ هزيلٌ .. يركضُ على السّطور
المكتظّةِ بالخواء
ليسمنَ من زبدةِ الصّمتِ الفارهةِ
على شفاهِ البال
هكذا تمرُّ الأغاني .. رشيقةً لا تشكو فقرَ الدّمع
نذرفُ سمفونياتها …
و ندسّ صدى اللّحنِ في بالِ نايٍ
مبحوحِ النّغم ..
تلكَ الأناملُ الّتي أخاطتْ مناديلَ
الشّمعَ المرتعش
احترقتْ بلهيبهِ
لا أمسياتٍ راقصة على خزفِ المواعيد
الوتر تصلّبَ
و الثّوبُ القشيبُ لا يغطي خاصرةَ الهمس
عاريةٌ موائدُ القصيد
لا ترتدي من زغبِ السّنونو تأويلَ النّسغ
حريرها عالقٌ في أصابعِ التّوت
ما زال يلفّ ببياضهِ خواطراً مكسورة..

أنا و أنت
خلفَ ربيعٍ أدبرَ … أمامَ خريفٍ يمارسُ
حفيفَهُ على أوراقنا
و الحبرُ خيالٌ بلا هويّةٍ .. أو ملامح
يتوهُ نسغهُ الورديّ عن عافية السّطور …
على مذابحِ الشّموع .
ومضةٌ تهربُ من مقصلةِ النّزوح
قبلَ احتراقِ الشّريان .

ناهد بدران

هديل المعاني

هديلُ المعاني .

على كاحلِ حرفي يرقصُ سربٌ
من النّمل …!
يسرقُ قمحَ القوافي في كرنفالِ الصّيف
القحطُ يغنّي ملءَ فمه .. و السّحابُ أخرس
صوتُ غربانٍ لا يغريها قصيديَ الباهت
تنقرُ زمردَ النّهارِ لتخفي سوادَها
بين أجنحةِ اللّيل ..
سنونو جريح .. لا ريشَ في معطفه
سقطَ عن أذرعِ السّنديان
و الرّيح تذرو الأعشاشَ الخاويةَ من المجاز
بينها و بين النّسيمِ صحوةُ ضمير
و امتدادُ لحنٍ غصّتْ بوترهِ المقامات ..

اربطْ هديلَ المعاني بساعةِ معصمك
و اضبطْ توقيتها ليوافقَ وقتَ الحصاد
ثبّتْ تكّةَ الفجرِ المتربّعِ خلفَ الدّجى
باستدارةِ خاتمكَ ليوائمَ مواعيدَ القطاف ..
الضّوءُ دسمٌ بعد أن بلغَ سنّ العاشرةِ و النّصف
اقطفْهُ قبلَ أن يبرد ..!
بعد اثنتي عشرةَ لفّةٍ ..
يتراخى كهلاً على شرفاتِ عاشقٍ سابحٍ
في مستنقعِ باله
و نقيقُ الذّكرى يؤرّقُه ..

و إنْ كانَ للقائنا حديثُ ساعةٍ ما
عنونْهُ قبلَ الوداع .. و اعقدْهُ ربطةَ عنقٍ
كلّما فككْتَها فاحَ عطرُ الكلماتِ الّتي لم نقلْها ..
حلّفتكَ بخيطانِ قميصكََ الأزرق
كيف تحلّقُ أسرابُ نبضيَ من زرٍ إلى زر
تجمعُ الفيروزَ من ياقةٍ مفتوحة …
تغلقُ بابَ تابوتي ..
تردمُ الموتَ المرابطَ لحشرجرةِ أنفاسي ..
تعيدُ لحرفيَ امتلاءَ السّنابل .

ناهد بدران

بصريات مقروءة

بصريات مقروءة .

أمدّ إليكَ يداً من لؤلؤ
و أغنيةً تسمعكَ همسَ الحوريات
و كيف قصّتْ شعورهنّ .. كفّ لئيمة ..
كانتْ تقرأُ بصيرةَ الرّضى المتواري خلفَ
حراشفِ النّدم ….

أصافحكَ بيدٍ من مرجان
تزنّرُ الضّوءَ حولَ خطاكَ و أنتَ تتهجّأ
قيعانَ الرّوحَ … و قبابَ الذّاتِ المطمورة
في قاعِ الأمنيات…

أمسكُ قلبكَ بيدٍ من عشبٍ أخضر
تغسلهُ دموعُ قصيدة
نمتْ على محّارتكَ لتحوقَ أجنّةَ الحلم ..

أحرّركَ بيدٍ تصنعُ أساورَ الشّغف
من لجينِ الشّعاب ..
تدنيكَ من ذروةِ النّبضِ حتّى تراهْ
يجري في شرايينِ البحر ..

أجذبكَ بيدٍ من ضوءٍ تعامدَ على كتفِ موجة
أحملُ ملحَ خواطرِها لأمسحَ عيونَ اللّيل
فيرتدّ أزرقَ الزّغب ..

أتنفسكَ …!
ليزفرَ الشّطّ خيالي .. كائناً خماسيّ الظّلال
يطاردُهُ اخطبوطٌ من فراغٍ إلى فراغ
حتّى يلوذَ خلفَ وجودكَ المطلق
في سماءٍ تصطفيهِ نجماً و تجفّفهُ
بالضّوءِ و اللّازورد .

ناهد بدران

محض صدفة

أكانتْ محضُ صدفة
أن علقَ ذراعُ حرفكَ بخصرِ قصيدتي الحسناء ..!
أن امتلأ وجهها المطليّ بالمجازِ قبلاً
من ثغرِ قلمك ..
أن طارَ سربُ سنونو من حدائقِ شتائك
إلى ربيعِ مواسمي لتتعادلَ الفصول …

كيف زرعتَ الصّدفةَ لتتجذّرَ قدراً
كلّما شربَ من مرارةِ الطّين
صارَ صوتهُ حلوَ الملامح …
كلّما أفرغَ قواريرَ نايه ودقاً
امتلأتْ أوتارِ قلبهِ غيثاً من سلالةِ
الغيمِ الأبيض …

عالقةٌ بجدرانِ قلبكََ و كأنّ الله
بناها من ترابِ أنوثتي
أبحثُ في منجمِ أبهركَ عن خواتمِ اليقين
لتزهرَ أصابعي الّتي تعشقُ الكتابةَ لك …
و حينَ أكتبكَ أكثر … و أكثر
يتصابى السّنديانُ و يكاتبُ شجرةَ اللّوز
يتعاهدان أن ينجبا صبّارة …
توائمُ اعتلالَ المناخِ في تاريخِ الصّدف ..
و أنا أعاهدُ البحرَ أن أسكبَ ملحه في
مساماتِ قصيدة …
لا ينمو الشّوكُ على شطآنها ..

ناهد بدران

عناوين من سفر الذّات

عناوين من سفر الذّات .

ممسوسةٌ بالعطر
حدّ اقترافِ أكبر جرائمِ الأبجديّةِ شِعراً
ستجدُني أملأُ الفهارسَ و أشربُ العناوين
أتناولُ وجبةً نقديّةً مشبِعةً ..!
بالقلمِ و السّكين
أفرغُ قواريرَ النّبيذِ في حلقِ الورق
أعربكَ .. اسماً حباهُ الخالقُ صفاتَ النّبيين ..!
لستَ نكرة في قاموسيَ الثّري
و أنتَ الغنيّ مذ فتحتَ صناديقَ نبضي
لا أعلمُ ماذا وجدت ..
لكنّ آثارَ التّرفِ كانتْ باديةً في ملامحِ حرفك
كانتْ قصائدُكَ الذّهبيّةُ أساورَ في
معصمِ روحي
و كلّما زادَ خريرُ نهركَ
خشخشَ خلخالُ قافيتي
و أنا أرقصُ على عتباتِ المعنى …

ستجدُني عطريّةَ الملامحِ في عيونِ الورد
راهبةً تجمعُ أشرفَ الحروفِ في ديرِ الصّفاء ..
نبيّةً .. تطوفُ ليلَها من القلب إلى القلب
ترتّلُ ما أنزلَ الله من حبّ مبين
ليشربَ ظبيٌ شاردٌ من ساقيةٍ عابرة
من هتونِ ديمةٍ على مشارفِ العطش ..

سأعودُ لأعربكَ مجازيّاً
ربّما استعينُ بسيبويه ..! أو أتركُهُ نائما
في ظلّ الخوارزميّ و دوائرهِ المحنّطة
في سقفِ السّماء ..
و ربّما أقدّركَ حاضراً رغمَ أنفِ الغياب
سأتركُ الأمرَ لزرياب ..
بنفحةٍ عطريّةٍ من أخماسِ وتره
يجعلكَ موشّحاً أندلسيّاً ليّنَ المقامات
هكذا تبقى لحناً منصوباً لحلمٍ ممنوعٍ من الكسر
و الضّمةُ عوضٌ عن النّسيان
في الوجعِ المنكر .

ناهد بدران

من قصيدة *عناوين في سفر الذّات*

ممسوسةٌ بالعطر
حدّ اقترافِ أكبر جرائمِ الأبجديّةِ شِعراً
ستجدُني أملأُ الفهارسَ و أشربُ العناوين
أتناولُ وجبةً نقديّةً مشبِعةً ..!
بالقلمِ و السّكين
أفرغُ قواريرَ النّبيذِ في حلقِ الورق
أعربكَ .. اسماً حباهُ الخالقُ صفاتَ النّبيين ..!
لستَ نكرة في قاموسيَ الثّري
و أنتَ الغنيّ مذ فتحتَ صناديقَ نبضي
لا أعلمُ ماذا وجدت ..
لكنّ آثارَ التّرفِ كانتْ باديةً في ملامحِ حرفك
كانتْ قصائدُكَ الذّهبيّةُ أساورَ في
معصمِ روحي
و كلّما زادَ خريرُ نهركَ
خشخشَ خلخالُ قافيتي
و أنا أرقصُ على عتباتِ المعنى …

من قصيدة عناوين في سفر الذات
ناهد بدران

خواطر وجع الورد

يؤبجدُني همسكَ من نوني إلى دالي
يشدّ الآه الوسطى بساريةِ قصائدكَ المنكوبة
في ليلةِ رحيلِ القمر و حبرهِ الفضّيّ
المندلقِ على شفاهِ أوراقي …

ثمّ بعد
يؤرشفُني في ملفٍ قرب النّبض
تماماً هنا ..! في وقتٍ منسيّ مخلوع الأزرار
عن لوحةٍ عاطلةٍ بكماءَ ..
باتتْ لا تجدي نفعاً
حتّى تكّاتُها مبحوحة النّغم ..

حولَ نوني نارٌ من بركان نهرك
قد أتخلّقُ هدهداً في قصيدة نبي
و جائزٌ أن أرفعَ الوثاقَ عن نهدِ محبرتي
لتُرضعَ حبركَ النّاشف …!
لألفّ دالي بدمعةٍ من بؤبؤِ باءك
لكنّ الحاءَ حانقٌ انقلب عليك
أغلقَ حراءَ النّبوءة و أوصد العناوين
نسيمنا متآمرٌ .. قادمٌ برائحةِ شواط
ربّما قلبي .. ربّما قلبك
و ربّما دواويننا الّتي أحكناها بقنّبِ الماء
و خلنا أنّها لن تحترقْ …

ناهد بدران