خواطر

عباراتنا مختزلة
حبّنا مربعٌ ..و الشّوقُ مستطيل
و البعدُ زاويةٌ حادّةٌ تخدشُ الحروف ..
لا متسعَ لدوائرِ الحظّ في هندسةِ الخيبة
الفصولُ أربعةٌ … لا يجبرُ صيفُها الشّتاء
خريفها يخسفُ أطيافَ الرّبيع
و الجهاتُ أربعٌ … لا يعرفُ شمالها الجنوب
و لا يصافحُ شرقها الغرب
إلّا ساعةَ الوداع ….
يرسمانِ خطّ الزّمنِ الأبيضِ المتّشحِ بالسّواد
على ملامحِ المجرة
فتشرقُ كافٌ لتظلمَ نون ..
و أنا بين نونين أمتدّ نحو عافيةِ اللّجين
حتّى أتشرنقَ من نورِ الغفران ..

ناهد

جرح في ملح الذاكرة

جرح في ملح الذاكرة .

بنفسِ الصّمتِ
بذاتِ اللّغةِ الممسُوخةِ قدّمَ قربانَهُ النتن
لبقايا روحٍ متهالكةٍ
بنفسِ النّظرةِ المتضوّرةِ جوعاً
ينهشُ صدراً فقيرَ النّبض
تلكَ الشُمسُ لا تعلمُ بأيّ ذنبٍ كنتَ
وصيّاً على نجومِها …
خلفَ طقوسِ المدى طلاسِمٌ بلا شعائرَ
يابسٌ وعدُ الشّهبِ المتسَرْبلةِ من كفِّ السّماء ..
لا زالتْ تسْتغيثُ ديمةً .. لتملأَ دِلاءَ الوعدِ
الّذي حَشَوتَهُ غصّات …

انتفخَ الشّغافُ من رياءِ وريدِكَ …
شريانُكَ الّذي أثْمرَ تفّاحةً ذاتَ موسم
و أنتَ تُخاتلُ الظّلّ لتَشربَ النّور
ستسقطُ إن لمْ تتلقّفْها الكفوفُ
غصنٌ عاقرٌ تقمصَتْ نسغَهُ فراشةٌ
قصقصَها الألم
موءودةٌ .. تحتَ ترابٍ كانتْ تمشِّطُ
أثلامَهُ اليابسةَ
تسقيهِ من دلوِها حينَ تتجهّمُ السّماء ..

ضلعٌ .. أثقلهُ الشّوق …
تنبتُ في حناياهِ نغمةٌ
لصبحٍ أُريدُهُ كثيفَ التّجلي
أغيدَ الرّمحِ
يبارزُ قبحَ الزّمنِ المتورّمِ
من لسعِ الذّكرى .. و نزّ الجِراح !!
حنينٌ تربّى على ملحِ دموعي
و جسَدٌ يعيشُ الحاضِرَ بأنفاسِ الأمس
محشوّةٌ ذاكرةُ الغدِ بالفراغِ
و اللّحظةُ باهتةٌ لا تدورُ عجلتُها
العقربُ الأحمقُ عالقٌ في توهانِ الوقت
يلسعُ البنانَ الرّاقصَ بلُغةِ بندول
يسعى دون جدوى
تزرقُّ زنابقُ السّطورِ النّابتةِ على
حوافِ القلب
تلعقُ ملحَ القعرِ في مناجمِ الصّبر
النّورُ يشرقُ من إبطِ الدّجى
سيأتي سنونو ليفكّ عروةَ الزّيف
عن غلافِ الكون ….

ناهد بدران

ما لم يقله .. شهيد

ما لم يقلهُ .. شهيد

عندما يحملقُ الرّصاصُ في
وجهِ الضّحيّة
تمتلئ الذّاكرةُ بندبِ الحنين …
تغرقُ في دمِها و هي تقترضُ من
الشّقائقِ .. انحناءةَ الكبرياء
لترتقَ بجسدِها الرّاحلِ عورةَ الزّمان …
الصّمتُ هنا لغةٌ قاسيةُ التّأويل
لا ترجمةَ لصراخٍ ملأ البطاح
و لا صدىً لدعواتٍ لم تورقْ ..
و لا مكانَ لنغمِ قُبّرة على غصن مكسور …!

لا تختبئ خلفَ ظلّكَ الأعمى
لتنفثَ نارَ تنينٍ على جسدٍ عمّدهُ
الفردوسُ من كواثرِ سنيّة
سيخمدُ غلّكَ في مجمرٍ يابس
حينَ رُفِعتْ السّماءُ على أعمدةِ الرّحمة
كانتْ تسمعُ صراخَ الثّرى
و حينَ عربدَ السّديمُ
كان الغيمُ يعزفُ على خروقٍ
ناعمةِ الوتر
هنا نقفُ و الصّدى يفرشُ الآس
على وجناتِ القصيد ..
من يستطيعُ ابتلاعَ أفكارٍ جافة
و عقلهُ مصابٌ بتخمة
قاءَ الضّوءَ على ضفافِ الإنتظار

صفّقْ لأنّكَ غلبتَ الرّيحَ الّتي تخلعُ
أثوابَ الفيافي كلَّ نزوة
برقعُ الفجرِ بلون دمك
و الحجارةُ لن ترجمَ ما لا تراه
ما لم يقلهُ كلّ شهيدٍ ارتقى قبلَ
أن يحصدَ قمحهُ …!
قالَتهُ الأمداءُ الشّفيعةُ لوجعِ السّنابل .

ناهد بدران

حريرُ الصّبار

حريرُ الصّبار

بضعُ نبضٍ في لحاءِ ورقي
و اصفرارٌ تلهو بهِ أنفاسُ الخريف
صيفي بعيدُ المفارق
و أنا على قيدِ المسافة
أَرضعُ الوهمَ من ثديّ السّحاب …
أبتلعُهُ سميكاً على أرصفةٍ مزّقَها البرد
أرمّمُ أشلاءَ قميصٍ قدّهُ الأسى
من ياقةٍ الألفِ حتى أطرافِ الياء …
قرّحَ الشّوكُ كفّي و أنا أنسجُ من شرنقةِ الصّبار
حريراً لأثني عشرَ وعداً جفّ
في حلقِ القفار
لأخرجَ بغصّةٍ أعصرُها في نهرِ السّماء …
ترفدُ شحيحَ بحوري …

باكورةُ غيثٍ غنّتْ في مزاريبِ صمتي ..!
غَرفتُ من نُبلها قنطارَ شغفٍ
بلّلتُ بنعيمِها شِعريَ المجفّف
جلستُ على أريكةِ العشبِ أجمعُ أنفاسَ الأريس
و شهقاتِ النعناع ..
قلبي حديقةٌ في مدخلِها نافورةُ لحن ..
تلكَ العنادلُ تستحمُّ بضوءِ أفكاري
لتطربَ آذانَ المغيب
لا أبخلُ على الدوريّ بأسرارِ العزف
حتّى يبلغَ سنَّ التّغريد
و يبنيَ عشَّهُ في شريانِ قافيتي …

في طقوسٍ هلاميّةِ الرّؤى
سديميّةِ المنبع
خرافةٌ ابتلعتْ جرأَتي
كنتُ أنا المرتجفةُ على خطّ الإستواء ..
قبل أن تستوي خطوطُ الحظّ
تركتُ أفكاراً بدائيّةً تعصبُ بصيرتي
و قمتُ أتهجّدُ بلا أذان
في كونٍ أفلت من آذانهِ أقراطَ الضّوء
كتبتُ شروطيَ على مسودّةِ الأحلام
علّني .. على غفلةٍ
أستبدلُ الطّاء قافاً .. و أشرق .

ناهد بدران

أزوف الميعاد

أزوفُ الميعاد .

نبضٌ مهيضُ الحشا
و ذبذباتُ روحٍ ترتَجي قربا …
أيا حلماً معلقاً بابليّ اللّمى
السّعفُ في سويقاتِ قلبي يشكو
و الرّطبُ معلّقٌ بغصنِ بوحكَ
أتُحبني ..؟؟
يا هارباً من أساطيرَ سامراء
سأمرُّ على شوقكَ بقبلةٍ
فذاكَ الحنينُ يرعى من خَلجي
يا ابنَ الفصولِ الماطرة
لكأنّكَ عنقاءُ أغريقيةٌ خطفتْ
فتوحاتِ اللّيلِ من كتابِ شهرزاد
ذاكَ وحيٌ أذينيّ الوطءِ زارَ إمارتي
يبحثُ تحتَ ظلالِ الصّمتِ
عن تاجِ زبّاء ..
بيدي لا بيدك …!
أتجرعُ أنفاسكَ ترياقاً
فبعدَ اليومِ لن أموتَ أكثر
و ذاكَ النبيذُ يسري في عروقي …!
سأستعيدُ بك رشدي
منطويةٌ على ألفِ كسرة
و حرفيَ لائبٌ
و الصّمتُ يسنُّ قوانينَ صارمة ..
تنفرطُ حبّاتُ روحي و ثمّةَ رؤىً عصيّة
على الزّرقاءِ تنكأُ عينَ قلبي
بأظافرِ النّأي …
أهشّ دموعَ ديمةٍ عمياءَ
يقصفُ رعدها في يساري
و لا غيثَ يخمدُ هجيرَ الجوى .

ضفافُ الأبديّة

ضفافُ الأبديّة

لمْ يمت ..
قسّمَ أنفاسَهُ إلى بضعِ حصصٍ و غاب
و ما زلتُ بالدّمعِ أسقي حصّتي
لأقتاتَ من عرقِ نبضه ..

لم أتشرنقْ إلّا من ظلالي
و إذا تبعتُ ظلَّ أحدٍ
سيكونُ ظلّ والدي الّذي ينتظرني
عندَ ضفافِ الأبديّة لنغيرَ لونَ الحبر
الأزرق على ضفافِ نأي نازفِ الوريد
ذاك الغارقُ في غيابٍ يسكنُهُ الحضور
كلّ ليلةٍ يمدّ كفّه ..
لم يزلْ دافئاً … !!
يوكّلُ اللّيلَ كي يمسحَ آثارَ حزنه
الدّاكنِ عن أرصفةِ البوح
لا زالَ يكتبُني عندما أكتبه
يهاتفني ..! تومضُ شاشةَ قلبي
أسمعُ صوتَهُ يتلقّفُ سؤالي المبحوح
أيناك .. ؟ حصّتي تقاسمْتُها مع وريثٍ
غيرِ شرعي فلم تعد تبلُ أورتي ..
أنت لا تعلمُ شيئاً عن مروجِ الحلمِ اليابسة
خلفَ تأويلِ غيمةٍ عاقر
كنتَ تحلمَ أن تكونَ ابنتكَ شاعرة
حتّى تذرفَ القصيدةَ حرفاً .. حرفاً
كلّما مسحَ نيسانُ دموعَ غيماتِه …

ها أنا ذا أقودُ مركبي بلا أشرعة
تصفعُني الرّيحُ .. أهديْها نسائمَ قافيتي
تلين على كفّي و تهذّبُ الأمواج
تغنّي لابنةِ البحرِ الرّاقدةِ في أصدافِه
“ثمّةَ حزنٌ مقدسٌ دعيهِ يعبرُ أنَّى يشاء”.

ناهد بدران

تراتيل قمريّة

تراتيل قمريّة

نسمةٌ تجاوزتِ الثّلاثينَ من عمرِ العطر
مسحتْ جبهةَ الوجعِ الأشيبِ
بتراتيلَ من نسغِ الرّبيع
برعمتْ أصابعها الخضراءَ تشقّ
جبينَ الليلِ المسرجِ بعناية
الأذانِ و عافيةِ التّكبير …
تشنقنا دمعةٌ تربّي الوتينَ على ملح الجراحِ …
تشهقُ في خلجاتنا صرخةُ روحٍ
واثبةٍ يضيقُ بنبضها الجسدُ …
تتشظّى في حقولِ النّداء
و آلاءُ الغفرانِ تتجلّى
في موازينِ الرّؤى راجحةَ الجزاء
آراهُ هلالاً … بشيرَ نور
سأمدّ خواطري البيضاءَ أمشّطُ الغرر*
أروي دواريب النّفل* بشآبيب الذّكر
و التّسعُ* أغنجها في فلاة قلبي ..
ترعى نضيرَ الكلأ من رحابِ العشر*
إن أنارتْ ثلثاً و غسلتْ هماً لتشرقَ البيضُ*
ناصعاتُ الهدى على انتصافِ القمرِ
الأغيدِ في سدرةِ الصّفاء
أرشّ الدّرعَ* بقافيتي السّمحاء
بوشاحِ نبضٍ وضيء الحرير يلفّ الظّلم*
يميسُ بتراتيلَ دفّاقةَ النّور
طفقتْ تقبّلُ جبهةَ الحنادس*
توسعُ ممراتِ التّوقِ للدآدي*
يذوبُ الشّغافُ لهفةً و المحاقُ* يغرزُ
مسلّة اليقينِ في أثوابِ الدّجى
عادَ هلالاً ….
يخشخشُ نوره في أقداحِ نفسٍ تلهجُ
خشيةً و تصلّي عتقاً و تصبّ من الهدى ترياقاً
تمسّدُ به صدرَ الهواجسِ المتصلّبة
البراح أوسع ….
من منبعِ الكوثرِ مرصوفاً
حتى أبوابِ الجنان .

ناهد بدران

  • كانت العرب تسمي كل ثلاث ليال من الشهر باسم

ربيعك أنت

ربيعُكِ أنتِ يزهو كلّ حينِ
حديثُ الشّوقِ يسبقهُ حنيني

بسحرِ دعاكِ قدْ أكرمتُ ليلاً
تجلّى بالمواجعِ و الأنينِ

و منْ صلواتكِ الآياتُ تعلو
فيأتي الفجرُ بالذّكرِ المبينِ

خذي من مهجَتي نبضاً كليماً
و حيثُ مداكِ متّصلٌ صليني

فذاكَ البردُ لا تجلوهُ نارٌ
و بينَ يديكِ أضواءُ اللّجينِ

و صدركِ ليسَ يفطمُنا كباراً
شربنا الحبَّ من مجرى الوتينِ

سأسكبُ في هواكِ الشّعرَ حتّى
أُقبّلَ نيزكاً فوقَ الجبينِ

يلينُ البعدُ إنْ ترضينَ عنّي
و تهنأ في قطافِ الحسنُ عيني

فمتّكأي دعاءٌ في صلاةٍ
و يبتلُّ الحشا إنْ تذكريني

من نسل عشتار

من نسلِ عشتار

مبعوثٌ منْ أجندةِ النّور
مسحَ رعشةَ الوتين بنورِ رسالته
أوّلُ حرفٍ .. حنينُ الموجِ لنبوءةِ المرجان
في طلسمِ البحرِ .. في قاعهِ السّحيق
في أزمنةٍ مائيّةٍ تنحتُها معاولُ الصّمت ..

غموضٌ يلبسُ الزّرقةَ اسودادَ الخواطر
إلى قبلةٍ تتورّدُ على سطحهِ المرمري
تتقافزُ أسماكُ قلبي على رائحةِ الطّعم
أملأُ حواسي من نعيمِ كفّيهِ
و خيطُ سنّارتهِ يشدّني …
و أنا بكلّ الرّضى فريسة عشقه ..!!

من أخمصِ الموجِ المزنبقِ بقافيتي
إلى بوحٍ نفنفَ الحرفَ الثاني
من أساطيرَ محبرتي
فتجلّتْ عشتارُ عنقوديّةُ الملامح
تشدُّ تموزَ إلى كرومها الفتيّة
و هو يهشّ قطيعَ نبضهِ بعصًا عصته
فتشرنقتْ نبوءةُ قلبهِ بين حرفين
رفعا سقفَ السّماء المتدلي
عن وجهِ الثّرى
لترهصَ عروشٌ بين عطرين
جنّدتْ جنانَ الأبجديةِ في نحتِ خرائدها
و أنا الممسوسةُ بالشّوق
ازميلي من خشب
و تلكَ المناجمُ تتصلّبُ كلّما رأت دموعي
رفقاً فأنا من نسلِ عشتار …!
و لي في بابلَ ظلّ أغنيةٍ حملتني
على بساطِ الشِعر حتّى سلّمتُ تميمة
الصّبرِ للزّباء
و شراعٌ حلّقَ بحلمي المقعد
حتّى غرّدتْ في وتيني نوارسُ المشيئة ..

على ضفافِ حلم أنعمَ من حريرِ نجمة
فرشتُ حصيرةَ أفكاري
و وسادتي الممتلئةِ بالدّعاء
و انتظرتُ حديثَ المجاذيفِ …
و همهمةَ شراعٍ يغذّي الرّوحَ بنغمٍ أعذبَ
من ثغاءِ نجمة ..
كان ذبيحةً مفتادة أشبعتْ بطنَ
قرطاسي …!!

شعّ نورٌ من صرّةِ السّماءِ و انفلقَ
القمرُ بنبوءةٍ أرختْ عليهِ جلابيبها الزّحلية
فتأنّقَ و نذرَ عصارةَ ضوءهِ
لحفيفِ محبرةٍ ..
تساقطَ قلبي حرفاً .. حرفا
يفرشُ خمائلَ الرّبيع
بعصارةٍ من جيناتِ نسغٍ هائم
عالقٍ في بصماتِ حرفي .

ناهد بدران

تلك شهرزاد

تلك شهرزاد

من الزّوايا الحادّة يطلّ النّبض منفرجاً
يزفر الآه من حلقهِ … ليستوي قائماً ثمّ
يدوّر الرّؤى الى ما شاءَ من خفقِ اليقين
على مسارحِ النّهى المحتدمة
في كراسٍ أشعلوا دموعه بطعنةِ ضوء
في خاصرة الدّجى ..

تلك شهرزاد
في غياهب السّطور
تنحتُ الزّمردَ على فِراشٍ سقيم
و وسادةٍ محشوّةٍ بزفيرِ أنّاها
كلّ غصّةٍ تنتفخ ..!
بعد كلّ دمعةٍ تتفتّقُ من شغافها
تتشرنقُ خيوطُ الشّغفِ مجدداً
على مقربةٍ من عطرٍ ينتحرُ صوته
يذوبُ حرفٌ لابَ في جوفِ المحابر
و لم تنصفهُ أفواهُ اليراع .

ناهد بدران